نجاح لقافلة أوغندا
 
 
 

كلمة لا بد منها

لقد خلقنا الله لنعمر الأرض ، وجعلنا شعوبًا وقبائل لنتعارف، وأمر بالتعاون علي البر والتقوى، ونهانا عن الإثم والعدوان والتقاتل، غير أننا نعيش الآن - وياللمأساة- في عالم يموج بالصراعات والحروب التي تخلف ضحايا تستعصي علي الحصر، وتشرد ملايين الأسر، وتحولهم إلي لاجئين بعد أن كانوا يحظون بالأمان والاستقرار، وكان من الطبيعي أن يبرز دور منظمات الإغاثة في التخفيف من الآلام التي تخلفها نوازع الشر والرغبة في تدمير البشرية لأهداف متباينة.

فربما تقوم الحروب طمعا في هيمنة، أو بحثا عن ثروة، أو إذكاء لعصبية بغيضة قوامها التمييز علي أساس العرق أو الدين، وربما اللون أيضا، تدفع تجار الدمار، المتعطشين للدماء إلى إزهاق أرواح الأبرياء في مغامرات جنونية تتستر خلف أهداف دعائية براقة، بينما هي في حقيقتها أهداف خبيثة تكمن في نوايا محترفي الأجرام، ومصاصي الدماء، وطغاة العصر الحديث.

في هذا العالم الذي تتصاعد فيه نبرة القوة، وتعلو لغة الحرب علي ما عداها، اتجهت الجهود للبحث عن سبل لمساعدة ضحايا الحروب والنزاعات، وبدأت الفكرة تتبلور في أتون الحرب العالمية الثانية وما خلفت من مشكلات إنسانية معقدة، وانطلقت هذه الجهود من الأمم المتحدة عام 1946 بإنشاء المفوضية العليا لشؤون اللاجئين لتخلف إدارة الأمم المتحدة للإغاثة والتأهيل، التي كانت تعني بشكل أساسي بمشكلة اللاجئين الناجمة عن الحرب ، والتي نجحت جهودها في إعادة مئات اللاجئين إلى أوطانهم، وبعد ذلك انتقلت وظائف المفوضية العليا إلى مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين منذ عام 1951

وبسبب تعقد المشكلة الفلسطينية، والممارسات البشعة للاحتلال الإسرئيلي بحق أبناء الشعب الفلسطيني منذ احتلال أراضيه عام 1948، أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ٨ ديسمبر 1949 وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدني »أونروا« للإشراف علي مشروعات إغاثة وتشغيل مليون لاجىء فلسطيني اضطروا وقتها إلي ترك ديارهم بسبب العدوان الصهيوني.

ولا يزال نشاط هذه الوكالة مستمرا بالتعاون مع الدول العربية المضيفة للاجئين، لكنها تعاني صعوبات جمة نتيجة ضعف تمويلها الذي يأتي من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة ، إلى جانب عرقلة إسرائيل المستمرة لنشاطها، وقتل موظفيها، والاعتداء علي مكاتبها.

وفي موازاة هذا النشاط الدولي، ومع تعدد النزاعات والحروب واتساع نطاقها وتشعبها، وعجز الأمم المتحدة عن الاضطلاع بمسؤولياتها الإنسانية بكفاءة كبيرة ، ظهرت جهود أخري بمبادرات إنسانية علي هيئة منظمات إقليمية، مثل منظمة أطباء بلا حدود عام 1971، وغيرها.

كما تحركت الدول الإسلامية إلى هذا النشاط الإنساني ،  انطلاقا من روح التكافل والتعاون علي البر، وهو مبدأ إنساني يقره الدين الإسلامي الحنيف، وقطعت الدول الإسلامية خطوة كبيرة في هذا المجال عندما أسست عام1988 المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، باتفاق مع المنظمات الإسلامية الرئيسية في العالم كجهاز للتنسيق بين أعمالها، ومنع الازدواجية، وترشيد النفقات، وإيجاد قيادة جماعية لتوجيه أنشطة الدعوة بالحكمةوالموعظة الحسنة.

لكن إذا كنا تحدثنا عن هذه الجهود مراعين شموليتها واتساع نطاقها، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن جهودًا أخري كانت سابقة علي هذه الجهود، وتحملت عبء الإغاثة في أوقات حالكة ومأساوية، ويكفي للتدليل علي ذلك أن نذكر هنا أن مصر شهدت مولد أول مؤسسة للإغاثة في العالم تقدم المساعدات الطبية والإنسانية للمرضي والجرحى، وهي جمعية الهلال الأحمر المصري التي نشأت كأول مؤسسة إغاثية في إطار الأمة الإسلامية، تخطتت طاقها الجغرافي الضيق لتساهم في أعمال الإغاثة الطبية في حرب البلقان عام 1912 .

وفي أثناء ثورة الشهيد عز الدين القسام 1935 - 1939 في فلسطين نشأت اللجنة المركزية لمساعدة فلسطين، وكانت مهمتها تلقي التبرعات وإرسالها إلى اللجنة العربية العليا في القدس، والتي كان يرأسها أمين الحسيني.

ثم ولدت لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء المصريين في عام 1984، وكان الحافز الأول لنشاطها هو الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، والحرب التي خلفت مئات الألاف من اللاجئين، ليمتد نشاطها بعد ذلك إلى فلسطين مع تصاعد الانتفاضة الفلسطينية ضد العدوان الإسرائيلي عام 1987، وبلغت مساهمات اللجنة ما يزيد علي مائة ألف دولار، قامت بتحويلها إلي لجنة مناصرة فلسطين الخيرية بالأرض المحتلة في حصيلة التبرعات.

ولم تتوان اللجنة بعد ذلك في مد يد الغوث والمعونة لكل ضحايا الحروب واللاجئين في مختلف أنحاء العالم من السودان إلى الصومال إلى البوسنة والهرسك والعراق، فضلا عن الأحداث والكوارث الطبيعية التي تشهدها مصر، والتي تقوم اللجنة فيها بدور بارز لا تفرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم ، وتسعي إلى أن تكون خدماتها شاملة لا تقتصر علي تقديم الخدمات الطبية فقط، بل تمتد خدماتها إلى مختلف المجالات ، اجتماعية، وتعليمية، بالمفهوم الشامل للرعاية والإغاثة كمبدأ إسلامي ودعوة إنسانية عالمية.

 

الإغاثة : المعني والهدف

الإغاثة في أبسط معانيها : هي المسارعة في نجدة الملهوف، ومد يد العون إلى المحتاج، وهي مبدأ إسلامي أساسي، يرسخ روح التكافل والتعاون التي دعا إليها الرسول صلي الله عليه وسلم في عديد من المواقف، وكان يحض المسلمين دائما علي التكافل والتضامن في الشدائد٠٠٠ وقد ورد عنه - صلوات الله عليه وسلامه - الكثير من الأحاديث التي شكلت دعوة صريحة للمسلمين للتواد والتراحم، والحث علي قضاء حوائج المسلمين، وتفريج كرباتهم، وإيثار المسلم لأخيه علي نفسه حتي تزول عن النفس أنانيتها وتمسكها بعرض الدنيا الزائل.  عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول صلي الله عليه وسلم قال:  "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" متفق عليه.

وعن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:  "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَّفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يَّسر علي معسر يَّسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". رواه مسلم.

وعن أبي سعيد الخدري أنه قال:  "بينما نحن في سفر مع النبي صلي الله عليه وسلم إذ جاء رجل علي راحلة، فجعل يصرف بعيره يمينا وشمالا، فقال رسول الله رسول صلي الله عليه وسلم من كان معه فضل ظهر فليعد به علي من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به علي من لا زاد له ، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتي رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. رواه مسلم.

والإغاثة - وهي مبدأ أساسي من مبادىء السلوك الإسلامي - لا تتوقف عند حد إغاثة المسلم للمسلم فقط، لكنها معني عام يشمل الإنسان الذي يعاني مشاكل تهدد حياته، ففي زمن الحرب لا يكون هناك فرق بين مسلم وغير مسلم، ولذلك فإن منظمات الإغاثة  التي نشأت حديثا عملت انطلاقا من مفاهيم أرسلها الإسلام منذ القدم كما أن لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء - ومنذ قيامها - امتد نشاطها  إلى أقطار شتي يشكل غوث أهلها عملا إنسانيا يترجم الأهداف التي قامت اللجنة من أجل تحقيقها.

ومن حيث النشأة كان تفاقم مشكلة اللاجئين الذين بلغت أعدادهم في المنطقة العربية وحدها ما يزيد علي ثلاثة ملايين لاجئ، بينهم نحو 2.5 مليون لاجئ فلسطيني موزعين علي مخيمات في الأردن وسوريا ولبنان والأراضي المحتلة، فضلا عن نحو مليون لاجئ إثيوبي وصومإلى وأوغندي، فضلا عن لاجئين في الجزائر، واليمن، وجيبوتي ، كان هذا هو الدافع الأساسي لقيام منظمات ولجان الإغاثة لتمارس نشاطها في التخفيف من آلام وجراح ضحايا الحروب ومعاناتهم النفسية، جراء فقدهم ذويهم ومنازلهم، وتشتتهم في كل واد.

وإذا كانت الحروب هي المتسبب الأول في مشكلة اللاجئين، فإن العالم الثالث يأتي في المرتبة الأولي من حيث عدد الحروب التي وقعت فيه، حيث شهد أكثر من 130 حربا، فضلا عن الحروب الأهلية والاقتتال من أجل السلطة في العديد من دوله، مما كرس العديد من المشاكل في هذا العالم، وأبرزها مشكلات الفقر، والجهل، والتخلف، والمرض، وهي مشاكل كفيلة بالقضاء علي كل جهد يبذل من أجل التنمية وتحقيق التقدم، فضلا عن استمرار الأيادي الخفيه للاستعمار القديم التي تقف من خلف الستار أو بشكل مباشر أحيانا وراء إحباط كل جهد للتقدم في هذا العالم.

هذا الواقع الذي تغلفه حال التحدي المستمرة، والتي تضاف إلى عوامل التردي الاقتصادي، وتعثرجهود التنمية، والمعاناة من الفقر والجهل والمرض، ثالوث التخلف الجهنمي في الكثير من الأقطار التي تنتمي إلى العالم الثالث، فضلا عن عوامل عدم الاستقرار السياسي، والتناحر، والحروب الأهلية، والاقتتال علي السلطة، كل هذا أفرز واقعا أليما تعانيه شعوب كثيرة، وهو ما أكد الحاجة إلى جهود لإغاثة من يعانون هذه المشكلات، ومن تحرقهم الحروب بنيرانها، وتشتت شملهم، وتحولهم إلى لاجئين، وتتعزز هذه الحاجة باستمرار، وتتزايد ضرورتها في ظل حال الغموض التي تسيطر علي العالم كله الآن.

كل هذه تحديات دفعت إلى ضرورة التفكير في طريقة التعامل معها، وجاءت الاستجابة علي مستوي التحديات، وقرر وزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية بدول العالم الإسلامي في اجتماع لهم بالقاهرة عام ٨٨٩١ إقامة المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، كجهاز للتنسيق بين منظمات وهيئات الإغاثة التي تعمل في العالم الإسلامي، منعا للازدواجية في عملها، وترشيدا للنفقات، وتوحيد قيادة العمل الدعوي والإغاثي، وكان لمصر دور كبير في إنشاء هذا المجلس.

 

 

من تاريخ التنافس في الخير:

شهد العالم الإسلامي في بدايات القرن العشرين قيام عدد من المؤسسات الإغاثية التي مارست عملها في عدة مناطق أهمها فلسطين، وكانت أولي هذه المؤسسات جمعية الهلال الأحمر المصري، التي ساهمت في أعمال الإغاثة الطبية في حرب البلقان عام 1912.

وفي الفترة من 1975 - إلى 1985 تضافرت عوامل عدة، أدت إلى حدوث طفرة في إقامة مؤسسات الإغاثة، وقد هيأ الجو العام في ذلك الوقت لاندماج فكرة الإغاثة مع فكرة الدعوة ، وأخذت تلك المؤسسات تعمل في المجالين معا مندمجين أو منفصلين.

ولعل أبرز العوامل التي أدت إلى التوسع في إقامة هيئات الإغاثة: الواقع المتردي  لبعض الأقطار الإسلامية التي ضربتها ظروف الفقر الشديد، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، فضلا عن استمرار أيادي الاستعمار القديم في العبث بمقدرات الشعوب من وراء الستار.

وتحت إدراك أن العمل الإسلامي لا ينبغي أن يقتصر علي الخطب والمواعظ فقط، وإنما يجب أن يقوم علي تحقيق مبدأ التكافل، وتقديم الدعم والمعونة للمحتاجين والمنكوبين، وإقامة المشروعات التي تخدمهم، مثل المدارس ، والمستشفيات، ودور الأيتام، والملاجئ، قام العديد من مؤسسات الإغاثة: منها: لجنة الأعمال الخيرية في الإمارات ومقرها عمان، والهلال الأحمر في أبو ظبي، والهيئة الإسلامية العالمية في الكويت، وهي من أكبر هيئات الإغاثة، ولجنة مسلمي أفريقيا، ولجنة الدعوة الإسلامية وهيئة كبري في السودان، هي  منظمة الدعوة الإسلامية، التي قامت بنشاط كبير جدًا، بالإضافة إلى لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء المصريين، التي نشأت عام 1984، وامتد إشعاعها إلى شتي أنحاء العالم، تمد يد العون إلى كل من يحتاج إليها، بل إن نشاطها لم يقتصر علي تقديم المعونة للمسلمين فقط، بل تجاوزهم إلى غير المسلمين الذين يعانون الحروب والتشريد.

لكن هذه المنظمات والمؤسسات الخيرية جميعها، ورغم تشابه أهدافها ورسالتها، عملت في عزلة، بل أنها أحيانا كانت تجمعها ساحة عمل مشتركة في بلاد واحدة دون أن تكون بينها أية صلة، بل ربما كانت تقدم خدماتها بشكل مزدوج، ولذلك استشعر المسؤولون في العالم الإسلامي ضرورة وجود آليه للتنسيق بين عمل هذه المؤسسات، وضمان تقديم خدماتها علي أكمل وجه، وإتاحة الاستفادة لأكبر عدد ممن هم في حاجة للمعرنة، والإغاثة. ومن الواقع، ومن خلال تجربة المنظمات الإسلامية في العمل بشكل غير منسق، ولدت فكرة المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة، كهيئة أم تجمع الهيئات المختلفة، وتنسق بينها، فضلا عن الجمع بين نشاطي الدعوةوالإغاثة في وقت واحد معا.

وتحددت أهداف المجلس الذي ولد في اجتماع للمجلس الأعلي للشؤون الإسلامية بمصر، وعقد الاجتماع الأول له في١٢و٢٢سبتمبر عام 1988م، فيما يلي:

أولا : الدعوة الإسلامية:

دراسة وسائل نشر الدعوة والمشكلات التي تواجهها، واقتراح الحلول، وإيفاد الدعاة بعد اختبارهم وتدريبهم إلى المناطق الأكثر احتياجا، وتشجيع وإنشاء المدارس والمساجد التي تعمل في تحفيظ القرآن، وإعداد وطبع المصحف الشريف وترجماته، ونشر الكتب والمجلات والرسائل التي تعرف بالإسلام، والرد علي الشبهات التي تلصق به، والتصدي للتيارات والمذاهب المناهضة له، وإنشاء المعاهد والكليات التي تعمل علي نشر الثقافة الإسلامية.

ثانيًا: متابعة أحوال الأقليات والشعوب الإسلامية

دراسة أحوال هذه الأقليات ودعمها، وتوثيق أواصر التعاون والتضامن بين الشعوب الإسلامية بالتنسيق في عقد المؤتمرات واللقاءات، ومخيمات الشباب المسلم.

ثالثا: الإعلام والمعلومات

العمل علي دعم القيم الدينية، والالتزام بها في أجهزة الإعلام المختلفة ، وتوفير الدراسات والمعلومات و الإحصائيات التي يمكن الاستفادة منها في أعمال المجلس.

رابعًا: الإغاثة الإسلامية

متابعة وتوجيه المساعدات التي تقدم للشعوب الإسلامية في حالات الكوارث والنكبات، تحقيقا لمبدأ التكافل والتضامن بين المسلمين.

إن نشاط المجلس العالمي للدعوة والإغاثة هو في الأساس نشاط تنسيقي وتوجيهي ، ووجوده لا يحد إطلاقًا من النشاط البارز والدور الكبير الذي تلعبه لجان الإغاثة في الدول الإسلامية، ومن أبرزها وأنشطها لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة أطباء مصر، صاحبة الدور البارز في خدمة المسلمين وغيرهم في الأقطار الإسلامية التي تضربهم الحروب والكوارث الطبيعية، وتجعل ظروف حياتهم صعبة، لتصبح اللجنة يدا تمتد لكل محتاج وقت الشدة.

لجنة الإغاثة الإنسانية